الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

331

المنقذ من التقليد

إذا تقرّر هذا فهكذا يجب فيما يأمر به من الألم أو يبيحه ، لأنّه لا بدّ من أن يكون أمره تعالى به وإباحته له حسنا . ولا يحسنان إلّا لما له يحسن إذا فعله تعالى . فلزم إثبات العوض واللطف فيه جميعا فيه ، وإلّا لم يكن أمره به أو إباحته له حسنا . فإن قيل : كيف تقولون فيما يبيحه تعالى من الألم أنه يكون لطفا ، ومن المعلوم أنّه لو كان لطفا لكان إمّا أن يكون لطفا في فعل واجب ، أو امتناع من قبيح ، فيكون واجبا ولا يكون مباحا ، وإمّا أن يكون لطفا في مندوب إليه ، فيكون مندوبا إليه لا مباحا ، فكيف تحكمون بثبوت اللطف في الألم المباح . قلنا : الألم الذي أبيح لفاعله إنّما نثبته لطفا لغير فاعله فلا يرد عليه التقسيم الذي أوردتموه من حيث أنّ المكلّف لم يكلّف فعل ما هو لطف لغيره ، وإنّما كلّف فعل ما هو لطف له وإنّما كان يكون التقسيم واردا على قولنا أن لو قلنا إنّ الألم المباح لطف لفاعله ، فحينئذ كان يمكن أن يقال لنا : إن كان لطفا له في فعل واجب أو امتناع من قبيح كان واجبا ، لا مباحا وإن كان لطفا له في مندوب إليه كان مندوبا إليه لا مباحا . فأمّا إذا كان لطفا لغيره فانّه لا يرد عليه ما ذكره السائل . ولكنّه يمكن أن يقال : الألم وان كان لطفا لغير فاعله ، كيف يكون مباحا ؟ بلى لا يكون واجبا ، لأن المكلّف لا يجب عليه فعل ما هو لطف لغيره من حيث هو لطف لذلك الغير ، ولكنّه قد ندب إلى نفع الغير والاحسان إليه . ولطف الغير نفع لذلك الغير وإذا قصد فاعله به نفعه كان محسنا إليه ، ومعلوم أنّ المكلّف ، مندوب إلى الاحسان إلى الغير . فعلى هذا إن كان الألم لطفا لغير فاعله ، كان مندوبا إليه فكيف يكون مباحا ؟ والجواب عن ذلك : أنّ ما ذكره السائل وقرره إنّما يتصوّر فيما إذا علم فاعل الألم أنّه لطف لغيره فيقصد بما يفعله من الألم نفعه والاحسان إليه بفعل ما هو